حرفة الكتابة وكيف أفسدها الذكاء الاصطناعي

في هذا المقال نناقش أثر إدخال الذكاء الاجتماعي على الكتابة، ونطرح سؤالًا جوهريًا، هل سوف يحتفظ الكتاب بمهنتهم؟ أم أنهم سوف يصبحون مثل الحائك الذي استبدلته المكائن؟

مقالات

8/3/20261 min read

حرفة الكتابة وكيف أفسدها الذكاء الاصطناعي
حرفة الكتابة وكيف أفسدها الذكاء الاصطناعي

الكتابة عبر التاريخ:

الكتابة لم تكن وليدة العصر، ولا مستحدثة الوجود، بل هي شكل من أشكال التواصل الذي ابتدعه الانسان قبل الميلاد بالآلاف السنين. نُقلت إلينا اللغات القديمة مما تبقى منها على جدران الكهوف، وألواح السومريين، وأوراق البردى التي استخدمها الفراعنة. ورغم اختلاف صورتها عبر التاريخ إلا أنها كانت ولازالت الطريقة الأمثل لتخليد النص وحفظه من الضياع.

قبل أن تصبح الكتابة حرفة وفنًا يستمتع به الناس، كانت طريقة لتدوين الفواتير، وحساب الضرائب، وحفظ حقوق الناس، والأهم من ذلك أنها نقلت الحضارة والثقافة عبر الزمن.

في الزمن العتيق اختص حفنة من الناس بالكتابة دون غيرهم، بينما أصبحت في زمننا الحالي ضرورة يتعلمها الطفل قبل سن العاشرة. وهنا يأتي السؤال، هل ازدادت أهمية الكتابة والقراءة مع انتشارها؟ أم أنها سهلت التداول بها إلى حد تجريدها من الابهار؟ وما الذي انتزعه الذكاء الاصطناعي من الُكتاب؟

الكتابة قبل ثورة الذكاء الاصطناعي:

إن عملية الكتابة تشبه بناء قصر من أحجار صغيرة، تستغرق وقتًا، ولا يستطيع الناظر تصورها حتى تنتهي. أثناء الكتابة يرى الكاتب النص مرة بعينه المبدعة، ومرة أخرى بعين القارئ. وبعد كل جملة يكتبها يطرح الأسئلة: هل الجملة واضحة بشكل كافٍ؟ هل توجد صياغة أفضل؟ ويتوقف مرارًا ليختار المرادف الأنسب للجملة، ويعيد صياغة السطور ليكسبها الجمال،

في بعض الآحيان تنساب الكلمات من قبل الكاتب بسهولة، وتصل إلى مرحلة الانزلاق والاختفاء بعيدًا إن لم يلاحق الكلمات ويكتبها على عجل على أي سطح أمامه. وفي أحيانٍ أخرى يعجز الكاتب عن كتابة سطرٍ واحدٍ يرضيه لمدة شهور عديدة. وفي كلا الحالتين فإن وصوله إلى مقر الكُتاب يعني إتمامه سنينًا من القراءة المكثفة، ومن ثم تلاها بسنين أخرى من الكتابة.

إن معظم الكتاب لا يكون هدفهم الأسمى هو الوصول إلى الشهرة وتخليد اسمائهم في التاريخ، بل هم يكتبون عن حاجة ملحة في التعبير، وعن فكرة تداهمهم ولا تحتمل الكتمان. يشبه الأمر حمل رسالة من قِبل الأبلغ على توصيلها. بدون حامل الرسالة سوف تندثر قصص الناجين من الحروب، ولن يدرك أحدهم معاناة الفقراء وما يقاسونه من جوع، ولا ما يعنيه أن يلملم أحدهم الشتات ويعيد بناء بلدة كاملة بعد كارثة حلت فيها، بل حتى لن يفهم الناس شعور صبابات الهوى عندما يعجز المرء عن الالتقاء بنظيره الآخر. فما هي الحاجة التي تدفع بالذكاء الاصطناعي على التعبير؟ وما هي الرسالة التي يحاول توصيلها؟

إن الأعمال الإبداعية التي يكتبها الكُتاب عبر العالم هي انعكاس مباشر للتجربة البشرية، والخلفية الثقافية. الثقافة تُدلي بالكثير، فمن خلالها تستطيع استنباط نشأت الكاتب، وتفكيره، وديانته، وصراعاته، والقضايا التي يمثلها، وغيرها الكثير. وبالتالي عندما تقرأ النص أنت تتجاوز القصة وتحصد دراسة في النفس البشرية وتبعاتها، وتتعلم عن أقوام من أماكن وأزمان مختلفة. ولكن ما هي الخلفية الثقافية أو التجربة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي عندما يكتب؟

نستطيع القول أن الذكاء الاصطناعي قد تعلم الحرفة، ولكنه جردها من الانسانية التي صنعته، وهذا يوصلنا لنقطتنا التالية.

كيف أفسد الذكاء الاصطناعي الكتابة؟

إن التطور على مراحل كان منذ الأزل جزءًا من الطبيعة البشرية، نرى ذلك في تطور الحضارات، وتطور البنيان، وحتى نضوج عقل الطفل حتى يصل إلى سن الرشد. التطور يبدأ بالتفكير، ومن ثم تجارب عديدة. تلك التجارب تصقل المهارات وتجعل الانسان يصوب الأخطاء ويجد الثغرات. والاستمرار في التجربة وتصويب الأخطاء هو ما يحول الهاوي إلى متمرس.

التطور على مراحل يشمل حتى الأعمال الصغيرة. خذ على سبيل المثال هذا المقال، لقد كان فكرة في رأسي، ومن ثم تحول إلى بضعة رؤوس أقلام على الورق، ومن ثم إلى نصوص مبعثرة. تلك النصوص المبعثرة جُمعت شيئًا فشيئًا حتى شكلت هذا المقال. ولكن الذكاء الاصطناعي ينشئ النصوص كاملة دون مراحل مسبقة. هذا يجعل الذكاء الاصطناعي أكثر كفاءة وسرعة من البشر ولكنه في نفس الوقت يذيع عن مدى اختلافه وخلوه من التميز الموجود في العمل البشري.

السرعة في إنشاء النصوص تنزع من بني البشر عاملًا مهمًا، وهو الشعور بلذة السعي، وحصد الخبرة من العمل الذي نقدمه. أصبح الناس يحيلون العمل إلى الذكاء الاصطناعي لينجزه بسرعة، ومن ثم الاسترخاء أمام المحتوى لساعات طويلة. ونتيجة لذلك تراجع مستوى المهارة البشرية، وأصبحت الكتابة مهنة الأخرق بسبب وفرتها وسهولة الوصول إليها.

قرون مضت والناس يتمعنون في النص الأدبي ويحللون أركانه، ومن ثم يمتدحون الكاتب أو الشاعر الذي وضع الكلمات في هذا التسلسل المبهر لإبراز المعنى بشكل جمالي. لم يكن لدى أيٌ من البشر أدنى شك أن الكاتب أصيل. وهكذا أفسد الذكاء الاصطناعي الكتابة، لم يفسدها لأنه استعاض عن صناعها وحسب، بل لأن أعمالهم أصبحت محل تشكيك من قِبل القراء ومن قِبل دور النشر.

تحولت الكتابة من كونها نابعةً من بشر يشعر ويفكر، إلى نصوص تتوالى حسب القواعد التي استخلصها الذكاء الاصطناعي من ملايين النصوص التي تتدرب من خلالها. لقد تعلم الذكاء الاصطناعي قواعد الكتابة ولكنه لم يتعلم متى تُكسر، أو لماذا تُكتب؟ وخاصة عندما تنبع الكتابة من المشاعر الانسانية.

ورغم ما قيل لازال السؤال: هل سوف يحتفظ الكتاب بمهنتهم؟ أم أنهم سوف يصبحون مثل الحائك الذي استبدلته المكائن؟

ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي استبداله:

قد يستبدل الذكاء الاصطناعي الكتابة الوظيفية بشكل كبير، ويصبح الملجأ الأول لإنشاء التقارير، وتوثيق الوقائع، وتلخيص النصوص. ولكن يستحيل أن يستبدل الإبداع البشري ويبدأ في إلقاء الشعر.

لقد تعلم الذكاء الاصطناعي كل ما يعرفه من خلال المدخلات البشرية، سواء كانت نصوص، أو صور، أو مقاطع. لقد تعلم النمط الابداعي من أكثر الناس إبداعًا، ومخرجاته ما هي إلا إعادة تحوير أو اقتباس من فنان آخر. إن توقف البشر عن إعطاءه المدخلات فلن يجد فنًا ينتجه، وهذا على عكس البشر تمامًا. يستطيع البشر الاتيان بالفكرة وإن كانوا في عزلة تامة.

كل هذا يثير فينا معضلة أخلاقية، هل مخرجات الذكاء الاصطناعي أصيلة؟ أم أنها ملك لشخص آخر لا نعلم عنه شيئًا؟ وهل نسرق الأعمال من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي؟ أم أنها فعلًا أداة خارقة اخترعها الانسان ومن ثم تفوقت عليه؟

الخاتمة: ما هي نتيجة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لكتابة النصوص؟

جعل الذكاء الاصطناعي يكتب بدل عنا له مضار حقيقة، وليست مجرد توهمات من مقاومين ضده، وأخشى ألا ندركها قبل فوات الآوان، ذكرتها بين النصوص بالأعلى ولكنني ألخصها هنا:

فقدان المهارة: سوف يحرمنا الاعتماد على الذكاء الاصطناعي من صقل مهاراتنا واكتسابها. بناء المهارة يتطلب ممارسة مستمرة، ومواجهة صعوبات وتخطيها، وهو ما لن يحدث إذا ما جعلنا الذكاء الاصطناعي يقوم بكل شيئ عنا. سوف نفقد المهارات وبالتالي نضطر أكثر للاعتماد على الذكاء الاصطناعي لاتمام أمورنا اليومية.

فقدان العنصر البشري: سوف ينظر علماء التاريخ في المستقبل إلى حقبتنا لاستخلاص الثقافة ومعرفة أحوال هذا الزمن، فما الذي سوف يستنتجونه عن حضارتنا التي صنعها الذكاء الاصطناعي وحده؟ فقدان الحضارة أمر مخيف، وكأننا لم نعش يومًا على هذه الأرض ولم نخلف آثارًا يتأملها من بعدنا.

التوقف عن الابداع: لا يتراود إلى ذهن البشر سوى الأفكار التي تخدمه، فإن انعدمت الضرورة للإتيان بالأفكار أو العمل بها، فسوف نصل إلى عصر خالي من الأصالة. لماذا ترسم رسمة أو تكتب كتابًا عندما تجد من يكتبه عنك دون عواقب؟ سوف تفتح وسائل التواصل الاجتماعي ذات يوم وتجد المحتوى مملًا ومكررًا وكأن فردًا واحدًا عمل على صنعه، أو ربما حصل هذا بالفعل!

انعدام التفكير النقدي: التفكير النقدي هو القدرة على تحليل المعلومة، ونقدها أو الافتراض بناءً عليها. التفكير النقدي هو الذي يساعدك على اتخاذ القرارات بناء على المعطيات، مثل أن تقرر اعتبار هذه المعلومة معقولة أو كاذبة، أو حل المشاكل، أو حتى إدارة الوقت. التفكير النقدي أيضًا يجنبك أصدقاء السوء، والوقوع في المشاكل.

قد يتراود في ذهنك سؤال أيها القارئ، ما مدى اعتماد كاتب هذا المقال -والذي هو أنا- على الذكاء الاصطناعي؟ وهذا يصب من جديد فيما أحاول اثباته. لقد فقد الناس الثقة بالفنانين وأصبحوا يفترضون أن الفنان يستخدم الذكاء الاصطناعي كما يستخدمه كل الناس.

أتمنى أن يجد ناشر المقالات غير الأصيلة مقالي هذا، ويحود عن أفعاله.

حرفة الكتابة وكيف أفسدها الذكاء الاصطناعي
حرفة الكتابة وكيف أفسدها الذكاء الاصطناعي
تواصل

© 2026. All rights reserved.